تازة بعد أمطار الخير: انهيار البنية التحتية يفرض المحاسبة ويكشف أعطاب تدبير المال العام

متابعة : توفيق الكنبور

شهدت تازة، على غرار عدد من مدن المملكة، تساقطات مطرية مهمة خلال الفترة الأخيرة، كان لها وقع إيجابي على المخزون المائي والفرشة الجوفية، وأعادت الأمل للساكنة بعد سنوات من توالي الجفاف غير أن هذه الأمطار، التي شكلت بشرى خير للبلاد، كشفت في المقابل عن أعطاب بنيوية خطيرة في عدد من المشاريع والبنيات التحتية بالمدينة والإقليم، بعدما انهارت طرق وقناطر ومنشآت حديثة الإنجاز في ظرف وجيز، ما أعاد إلى الواجهة قضية الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الانهيارات التي شهدتها بعض المقاطع الطرقية والمنشآت الفنية، خاصة في عدد من الأماكن نواحي تازة، لا يمكن تفسيرها فقط بقوة التساقطات المطرية، بل تعكس اختلالات واضحة في جودة الدراسات التقنية، واحترام دفاتر التحملات، ومراقبة مراحل الإنجاز كما أن سرعة تدهور مشاريع حديثة العهد تؤشر على ضعف في التتبع والمراقبة التقنية والمالية أثناء التنفيذ.

ويرى عدد من المتتبعين للشأن المحلي أن ما حدث يعكس اختلالات عميقة في تدبير الصفقات العمومية، ويغذي الشكوك حول وجود تلاعبات محتملة في بعض المشاريع، سواء على مستوى اختيار المقاولات، أو تتبع الأشغال، أو المصادقة على التسلم النهائي للأوراش.

Ad image

في هذا السياق، تتعالى أصوات فعاليات جمعوية وحقوقية مطالبة بفتح تحقيق جدي وشامل على المستوى الإقليمي، يشمل مختلف المشاريع التي شابتها اختلالات، سواء تلك التي تم إنجازها أو التي ما تزال في طور الإنجاز، كما تؤكد هذه الفعاليات ضرورة افتحاص الصفقات العمومية، وتحديد المسؤوليات بدقة، مع ترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه في تبديد المال العام أو الإخلال بواجباته المهنية.

وقد سبق للجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب أن أعدت تقريرا مفصلا حول مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مستوى إقليم تازة، رصدت فيه، حسب ما تم تداوله، جملة من الاختلالات المرتبطة بطرق صرف الاعتمادات وجودة الإنجاز والدراسة ومدى تحقيق الأهداف التنموية المرجوة.

إن إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات تمر حتما عبر تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص عليه الدستور، فلا يمكن الحديث عن تنمية محلية حقيقية في ظل مشاريع متعثرة أو منهارة، ولا في ظل شعور عام لدى المواطنين بأن المال العام لا يُصرف دائما وفق معايير الشفافية والنجاعة.

المطلوب اليوم لا يقتصر على إصلاح ما أفسدته الأمطار، بل يتعداه إلى فتح ورش تقييم شامل للمشاريع المنجزة خلال السنوات الأخيرة، ومراجعة طرق إسناد الصفقات، وتعزيز آليات المراقبة القبلية والبعدية، وتفعيل دور المجالس الجهوية للحسابات، إضافة إلى تمكين المجتمع المدني من آليات التتبع والمساءلة.

إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المشاريع المعلن عنها، بل بمدى صمودها وجودتها وقدرتها على خدمة المواطنين لسنوات طويلة، وما وقع في تازة يجب أن يشكل لحظة مراجعة جادة لتصحيح المسار، وترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة، وضمان احترام القانون في كل مراحل تدبير الشأن العام.

إن المرحلة الراهنة تقتضي إطلاق تحقيق مستقل ودقيق لا يستثني أي جهة، مع ترتيب المسؤوليات على أساس القانون وربط كل تقصير أو تجاوز بجزاءاته المستحقة كما أن إعادة تقييم المشاريع التي شابتها اختلالات لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة ملحة لصون مصداقية المؤسسات، فترسيخ دولة القانون يمر عبر محاسبة فعلية وشفافة، تضع حدا للإفلات من العقاب، وتحمي المال العام من العبث، وتعيد للمواطن ثقته في الإدارة والمنتخبين، إن المحاسبة الصارمة والعادلة ليست تصفية حسابات، بل هي أساس الحكامة الجيدة وضمانة حقيقية لتنمية مسؤولة تخدم الصالح العام.

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *