جماعة البرارحة إقليم تازة : قناطر مغشوشة، أموال عمومية مهدورة، ومطالب بمحاسبة المنتخبين والسلطات والقطاعات الوزارية المتورطة

متابعة: أحمد الزينبي

مع كل موسم أمطار، تتجدد المآسي بوادي الجماعة الترابية البرارحة بدائرة تايناست، إقليم تازة، حيث تتحول السيول الجارفة إلى خطر يومي يهدد حياة الساكنة ومستعملي الطريق ، مشاهد مأساوية تتكرر كل سنة، سائقون يغامرون بعبور الوادي الكبير رغم قوة الفيضانات، غير مدركين أن لحظة تهور واحدة قد تنهي حياتهم وحياة من معهم داخل المركبة.

هذه السلوكيات الخطيرة، التي حصدت خلال السنوات الماضية أرواح عشرات المغاربة، لا يمكن فصلها عن واقع الإهمال البنيوي وغياب بدائل آمنة، وفي مقدمتها قناطر صالحة للاستعمال تحمي الأرواح وتفك العزلة عن الدواوير المجاورة.

وخلال هذا الأسبوع، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق محاولة جرار فلاحي وسيارة خفيفة اقتحام سيول أحد الأودية بتراب جماعة البرارحة، في مشهد مروع أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار. فيديو أعاد إلى الواجهة حجم المخاطر المحدقة بالساكنة، وكشف مرة أخرى غياب حلول حقيقية، رغم التحذيرات المتكررة من الجهات المعنية.

Ad image

والأخطر في مثل هذه الوقائع أن السائق لا يكون وحده غالباً، بل يصطحب معه ركاباً أبرياء، نساءً وأطفالاً، ليجدوا أنفسهم في رحلة موت محتملة، تتضاعف معها مآسي الأسر وعدد الثكالى واليتامى.

الواقع المؤلم أن جماعة البرارحة بإقليم تازة عرفت إنجاز عدة قناطر، صُرفت عليها أموال طائلة من المال العام، غير أن أغلبها إما انهار في زمن قياسي، أو أُنجز دون دراسات تقنية تحترم معايير السلامة، أو شُيّد في مواقع لا تستجيب فعلياً لحاجيات الساكنة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول ظروف إنجازها والجهات التي أشرفت عليها.

وفي هذا السياق، انتقد عدد من النشطاء بشدة ما وصفوه بـ“العبث في إنجاز المشاريع العمومية”، مشيرين إلى قناطر أُنجزت دون دراسة، وأخرى خُدمت بها مصالح ضيقة، في مقابل استمرار عزلة عدد من الدواوير. واعتبروا أن ما يقع يُعد إهانة حقيقية لساكنة البرارحة وللشعب المغربي، خاصة في ظل التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تأهيل العالم القروي وفك العزلة عنه.

أمام هذا الوضع المقلق، تتصاعد مطالب المجتمع المدني والساكنة بفتح تحقيق عاجل وجدي من طرف عامل إقليم تازة، والمجلس الجهوي للحسابات، ومفتشية وزارة الداخلية، للوقوف على كيفية صرف الميزانيات المخصصة لهذه المشاريع ومدى احترام دفاتر التحملات والدراسات التقنية ومسؤولية المصالح التقنية التي سلمت الأشغال ودور المقاولات المنجزة بالإضافة الى مسؤولية المنتخبين والقطاعات الوزارية المعنية ، ما يحدث بتراب جماعة البرارحة لا يمكن اعتباره مجرد أخطاء عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لغياب المراقبة، وتفشي منطق الإفلات من العقاب، والتلاعب بالمال العام على حساب سلامة المواطنين.

إلى ذلك، تعطلت التنمية بالمنطقة لسنوات بسبب حسابات سياسية ضيقة ومشاريع لم تحقق الأهداف التي رُصدت من أجلها. وفي كل مرة، يبقى المواطن القروي هو الضحية الأولى، يواجه العزلة والخطر والموت المحتمل مع كل تساقط مطري.

إن استمرار عبور الأودية في ظل غياب قناطر آمنة بجماعة البرارحة ليس مجرد تهور فردي معزول، بل هو عنوان صارخ لفشل جماعي في تدبير الشأن المحلي، وتقصير واضح في حماية الحق في الحياة الذي تكفله القوانين والدستور،
فحين يُترك المواطن القروي وحيداً في مواجهة السيول، ويُدفع قسراً إلى المقامرة بروحه من أجل لقمة العيش أو العلاج أو الدراسة، فإن المسؤولية لا تقع عليه، بل على كل من أهدر المال العام، وغيب المراقبة، وتستر على الاختلالات.

اليوم، لم يعد المطلوب خطابات ولا تبريرات، بل الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه التلاعب بالمال العام، من منتخبين وسلطات ومصالح تقنية وقطاعات وزارية معنية، مع إرساء محاسبة حقيقية تعيد الاعتبار للمال العام، وتضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب، وتضمن بنية تحتية تحمي الأرواح وتصون كرامة المواطنين.

 

Ad image
Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *