غار الجبيلات بين اتفاق 1972 والاستغلال الأحادي، ثروة مشتركة تُدار بمنطق الأمر الواقع وتُغيبها حسابات السياسة عند حدود تندوف

متابعة : عبلة بن عبو

رغم مرور أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر سنة 1972، ما يزال منجم غار الجبيلات يشكل إحدى أعقد القضايا العالقة بين البلدين، ليس فقط باعتباره ملفاً اقتصادياً، بل كرمز لاختلال الالتزام بالاتفاقات الثنائية وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على منطق الشراكة وحسن الجوار.

فالاتفاقية، التي وُقعت في سياق إقليمي حساس وعلى هامش القمة التاسعة لمنظمة الوحدة الإفريقية، لم تكن مجرد وثيقة لترسيم الحدود، بل تضمنت تفاهمات واضحة بشأن استغلال منجم غار الجبيلات، الواقع بمنطقة تندوف، على أساس الشراكة بين البلدين،هذا البند جاء، وفق عدد من القراءات، كجزء من توازنات سياسية واقتصادية، وكتعويض غير مباشر عن قبول المغرب بترتيبات حدودية مؤلمة في لحظة تاريخية معقدة.

غير أن الواقع الميداني سار في اتجاه مغاير تماماً فمنذ سنوات، اختارت الجزائر المضي في استغلال المنجم بشكل أحادي، مطلقة مشاريع ضخمة لاستخراج الحديد، ومستعينة بشركات أجنبية وخبرات دولية، دون أي إشراك للمغرب أو تفعيل لروح الاتفاق الموقع،هذا السلوك، الذي تصفه أوساط قانونية واقتصادية مغربية بكونه “خرقاً صريحاً لنص الاتفاق وروحه”، يعكس تحوّلاً من منطق التفاهم إلى منطق فرض الأمر الواقع.

Ad image

وتكتسي هذه الخطوة أبعاداً أعمق من مجرد خلاف تقني، فمنجم غار الجبيلات يُعد من أكبر احتياطات الحديد في إفريقيا، بثروة استراتيجية كان من شأن استغلالها المشترك أن يشكل رافعة تنموية للمنطقة المغاربية برمتها، وأن يؤسس لتكامل اقتصادي حقيقي بدل سباق أحادي محكوم بالهواجس السياسية، لكن الإصرار الجزائري على الانفراد بالمشروع حوّل المنجم إلى نقطة توتر إضافية في علاقة مثقلة أصلاً بالجمود وانعدام الثقة.

ويرى متابعون أن تجاهل الجزائر لهذا الالتزام لا ينفصل عن مقاربة أوسع في إدارة الملفات الخلافية، تقوم على تجميد الاتفاقات عندما لا تخدم حساباتها الظرفية، وتفعيلها انتقائياً عند الحاجة، وهو ما يجعل ملف غار الجبيلات شاهداً على فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي حول احترام الشرعية الدولية، والممارسة الفعلية على الأرض.

ومع استمرار هذا الوضع، لا يخسر المغرب فقط حقاً اقتصادياً مشروعاً، بل تُفوَّت أيضاً فرصة تاريخية لبناء تعاون إقليمي حقيقي، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تكتلات اقتصادية قوية لمواجهة التحديات العالمية وهكذا، يظل منجم غار الجبيلات ثروة معلّقة بين اتفاق لم يُفعّل، وسياسة اختارت الانفراد بدل الشراكة، لتؤكد مرة أخرى أن الخلاف المغربي-الجزائري ليس خلاف حدود فقط، بل خلاف رؤى واختيارات.

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *