زلزال المحاسبة بجهة فاس مكناس: نحو تكريس الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة

متابعة : احمد الزينبي

تشهد جهة فاس مكناس في الآونة الأخيرة حالة غير مسبوقة من الترقب والقلق في أوساط عدد من المنتخبين بجهة فاس مكناس، والذين لا يتوانون في تحسس رؤوسهم، في ظل توالي الاعتقالات والمتابعات القضائية المرتبطة بجرائم الأموال والاختلالات التي شابت تدبير الشأن العام المحلي، ومنهم من ينتظرون دورهم في صمت، كون رائحة فسادهم النتنة فاحت وأزكمت الانوف، ويدركون جيدا بكون حبل المشنقة  بات على مرمى حجر من أعناقهم، من خلال واقعٌ كشف بشكل واضح حجم الاختلالات التي ارتكبها عدد كبير من رؤساء المجالس على اختلاف أنواعها، وأعاد إلى الواجهة إشكالية الثقة المفقودة بين المنتخبين بجهة فاس مكناس والمواطنين.

لقد أصبح واضحا أن فئة واسعة من هؤلاء المنتخبين بجهة فاس مكناس، فقدت الشرعية الأخلاقية قبل القانونية، بعدما أحكمت قبضتها على زمام العملية الانتخابية، وعرفت كيف تدير “لعبة الانتخابات” وتؤثر على عقول المواطنين، لتختزل علاقتها بهم في مجرد “ورقة التصويت”، علاقة موسمية تنتهي بانتهاء الاستحقاقات، ليُترك المواطن بعد ذلك يواجه بمفرده واقع الهشاشة، وضعف البنية التحتية، والفقر، والتهميش على مختلف المستويات وضعف الخدمات الضرورية.

وفي هذا السياق، برز تقصير واضح لعدد من المنتخبين بجهة فاس مكناس الذين تخلوا عن أداء مهامهم، تاركين العبء للسلطات المحلية والإقليمية التي وجدت نفسها في كثير من الأحيان تقوم بمهامهم نيابة عنهم، بل إن بعض المنتخبين بجهة فاس مكناس اختاروا الاختباء خلال فترات الأزمات والكوارث والاحتجاجات، مكتفين بمراقبة تحركات المواطنين بدل التفاعل الإيجابي مع مطالبهم.

Ad image

وقد أدرك المواطن البسيط هذه الممارسات، ووعى أنه كان ضحية لأساليب تقوم على التملق واستغلال النفوذ، وهو ما يفسر في جزء منه، ردود الفعل التي ترافق كل حالة اعتقال في صفوف منتخبين بجهة فاس مكناس، حيث يشعر المواطن بنوع من الارتياح، ويستعيد ثقته في أن الدولة حاضرة، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، مما يعزز التفاؤل بمستقبل أفضل.

ومن جهة أخرى، فإن السلطات المحلية والإقليمية، إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية ، تتابع عن كثب كل التفاصيل المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، وتحيط علماً بمختلف المشاريع والاختلالات، صغيرها وكبيرها، والتي تُرفع في نهاية المطاف إلى الجهات المختصة، ، وهو ما يؤكد أن مسار المحاسبة الذي يهم منتخبين بجهة فاس مكناس ليس انتقائياً، وأن من لم تطله المساءلة اليوم قد تطاله غداً، في إطار احترام تام لمبدأ العدالة وسيادة القانون.

كما أن المعطيات المتداولة تفيد بأن عدداً من المنتخبين بجهة فاس مكناس راكموا ثروات مهمة بطرق ملتوية، من خلال استغلال مواقعهم، حيث امتلكوا منازل فاخرة، وضيعات فلاحية، وسيارات فارهة، ومنهم من وجه بوصلة استثماره إلى امتلاك اسطول من شاحنات نقل الرمال ومواد البناء، ناهيك عن استغلال بعضهم لمقالع الأحجار والرمال بشكل فاحش والتي لا تنضبط لأبسط الشروط، وفئة أخرى انشغلت بإحداث محطات للوقود، في مشهد أصبح مكشوفاً لدى المواطنين ولدى الأجهزة المعنية على حد سواء، وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة فتح تحقيقات شاملة وربط الثروة بالمسؤولية.

إن استمرار بعض المنتخبين بجهة فاس مكناس في مواقع المسؤولية لسنوات طويلة، دون تحقيق تنمية حقيقية، خاصة بالمناطق القروية، ساهم في حرمان هذه المناطق من فرص التنمية، وجعل جماعات بأكملها تعيش أوضاعاً مزرية وصعبة، بل ومأساوية في بعض الأحيان، كما أن عدداً من المشاريع التي تم إنجازها شابتها اختلالات كبيرة، تستوجب بدورها المساءلة والمحاسبة، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية التي انهارت خلال الأمطار الأخيرة، حيث بقي عدد من الدواوير في عزلة تامة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، القائمة على الشفافية، والنزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها الأساس المتين لأي تنمية مستدامة وعادلة في مختلف بقاع الوطن، فالمحاسبة والمراقبة ليستا خياراً، بل ضرورة حقوقية لضمان حماية المال العام وصون كرامة المواطن.

إن المغرب اليوم ليس مغرب الأمس، بل هو في مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح وتعزيز دولة الحق والقانون، وهي مرحلة تعزز فيها ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء وكافة الأجهزة الرقابية، التي أثبتت نجاعتها في التصدي لمظاهر الفساد، خاصة فيما يتعلق بملفات منتخبين بجهة فاس مكناس.

وفي هذا السياق، تظل الثقة راسخة في القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، الذي يقود ثورة حقيقية على الصعيد الوطني، ثورة إصلاحية انبهرت بها دول كبرى، بفضل المجهودات الجبارة المبذولة في مختلف المجالات، وترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف.

إنها لحظة مفصلية تفرض القطع مع ممارسات الماضي، وتؤكد أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى، وأن كل من تورط في استغلال المسؤولية لتحقيق مصالح شخصية، خاصة من منتخبين بجهة فاس مكناس، سيكون عرضة للمساءلة، في أفق بناء مغرب تسوده العدالة، وتتحقق فيه الكرامة، وتترسخ فيه مبادئ الحكامة الجيدة.

Ad image

وفي الختام، فإن المرحلة تقتضي المضي قدماً في تفعيل مزيد من المحاسبات والتوقيفات في حق منتخبين بجهة فاس مكناس، وكل من ثبت تورطه في تبديد المال العام أو الإخلال بواجبات المسؤولية، دون تردد أو انتقائية، بما يعيد الاعتبار لهيبة الدولة ويصون كرامة المواطن، فتكريس دولة الحق والقانون يمر حتماً عبر قرارات حازمة تعزز الثقة في المؤسسات، وتؤكد أن العدالة لا تستثني أحداً، وأن حماية المصلحة العامة فوق كل اعتبار، إن المرحلة تتطلب نفساً إصلاحياً مستمراً يقطع مع كل أشكال الريع والفساد، ويفتح الباب أمام نخب نزيهة وقادرة على تحمل المسؤولية، بما يضمن إعادة التوازن للعلاقة بين الدولة والمواطن، وترسيخ الإحساس بالإنصاف والعدالة، كمدخل أساسي لبناء تنمية حقيقية ومستدامة.

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *