مدينة تازة تئن تحت وطأة التهميش السياحي رغم كنوزها الطبيعية والتاريخية

  • بتاريخ : يونيو 3, 2026 - 7:57 ص
  • الزيارات : 75
  • متابعة: عبلة بن عبو

    في الوقت الذي تتجه فيه السياسات العمومية بالمغرب نحو تثمين المؤهلات الترابية وتحقيق العدالة المجالية، ما تزال مدينة تازة تعاني من تهميش سياحي وإعلامي غير مبرر، رغم ما تزخر به من مؤهلات تاريخية وطبيعية وثقافية وفلاحية تجعلها من بين أغنى المناطق المغربية القادرة على التحول إلى قطب سياحي وتنموي حقيقي.

    وتعتبر تازة من أقدم الحواضر المغربية، إذ تؤكد العديد من المصادر التاريخية أن نشأتها سبقت تأسيس مدينة فاس بقرون، حيث شيدت نواتها الأولى قبائل مكناسة الأمازيغية قبل أن تتحول إلى بوابة استراتيجية بين شرق المغرب وغربه، وإلى نقطة عبور رئيسية تعاقبت عليها كبريات الدول المغربية التي تركت بصماتها على معالمها التاريخية والعمرانية، وقد منحها موقعها الجغرافي المتميز مكانة خاصة في التاريخ المغربي، إلا أن هذه المكانة لم تنعكس بالشكل المطلوب على واقعها التنموي والسياحي.

    ورغم هذا العمق التاريخي، فإن المدينة لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه ضمن الاستراتيجيات الوطنية للتسويق السياحي، حيث يكاد حضورها يكون منعدماً في الحملات الترويجية الكبرى مقارنة بمدن أخرى أقل غنى من حيث المؤهلات الطبيعية والتراثية، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب استمرار هذا التهميش الذي يحرم المدينة من حقها المشروع في التنمية والاستثمار.

    وتزخر تازة وإقليمها بمؤهلات سياحية استثنائية قل نظيرها على الصعيد الوطني، في مقدمتها رأس الماء الذي يعد من أجمل الفضاءات الطبيعية بالمغرب وأكثرها استقطاباً للزوار خلال فصل الصيف، إضافة إلى المنتزه الوطني لتازكة الذي يعتبر من أهم المحميات الطبيعية بالمملكة، ومغارة فريواطو المصنفة ضمن أشهر وأعمق المغارات بإفريقيا، فضلاً عن جبل تازكة الشامخ، وجبل بويبلان، ومنطقتي باب بودير وباب أزهار، ووادي إيناون، والغابات الكثيفة والمناظر الطبيعية الساحرة التي تجعل من الإقليم وجهة مثالية لعشاق السياحة البيئية والجبلية وسياحة المغامرات.

    كما تزخر المدينة بموروث أثري وتاريخي غني يعكس تعاقب حضارات متعددة على المنطقة عبر قرون طويلة، ويتجلى ذلك في المدينة العتيقة والجامع الأعظم والأسوار التاريخية والمعالم العمرانية التي تشهد على المكانة الحضارية التي كانت تحتلها تازة في مختلف المراحل التاريخية.

    ولا تقتصر ثروة تازة على مؤهلاتها التاريخية والطبيعية فقط، بل تعد أيضاً من أهم الأقاليم الفلاحية بالمملكة بفضل تنوعها المناخي وخصوبة أراضيها واتساع مجالاتها الزراعية، وتشتهر المنطقة بإنتاج الحبوب والزيتون واللوز والتين والعسل، إلى جانب تربية الماشية وإنتاج اللحوم والألبان ذات الجودة العالية، وهي مؤهلات تجعل من الإقليم نموذجاً واعداً للسياحة القروية والإيكولوجية المرتبطة بالمنتجات المحلية والمجالية.

    وتتميز تازة كذلك بموروثها الغذائي الأصيل الذي يعكس غنى وتنوع المنطقة، حيث تشتهر بأطباق تقليدية لذيذة أبدعت الساكنة المحلية في الحفاظ عليها عبر الأجيال، مستفيدة من جودة المنتوجات الفلاحية المحلية والعسل الطبيعي وزيت الزيتون واللحوم البلدية، ويشكل هذا التراث الغذائي رافداً مهماً للسياحة الثقافية ووسيلة إضافية للتعريف بالهوية المحلية وجذب الزوار الباحثين عن الأصالة والتنوع.

    وتأسر تازة زوارها بطبيعتها الخلابة التي تجمع بين الجبال الشامخة والغابات الكثيفة والعيون المائية العذبة والوديان الساحرة، ما يجعلها وجهة سياحية متكاملة قادرة على المنافسة وطنياً ودولياً، غير أن هذه الكنوز الطبيعية ما تزال تعاني من ضعف التسويق وغياب الاستثمارات الكفيلة بتحويلها إلى منتوج سياحي متكامل يساهم في خلق الثروة وفرص الشغل واستقطاب آلاف السياح من داخل المغرب وخارجه.

    ويجمع عدد من الفاعلين المحليين على أن ضعف البنية التحتية السياحية يشكل أحد أبرز العوائق أمام الإقلاع الحقيقي للقطاع، حيث تعاني العديد من المواقع الطبيعية والسياحية من غياب وسائل النقل العمومي المنتظمة، ونقص المرافق الضرورية والخدمات الأساسية التي يحتاجها الزائر والسائح.

    ومن المفارقات أن عدداً من أبناء تازة أنفسهم لم يتمكنوا من زيارة بعض المناطق الجبلية والغابوية الساحرة التي يزخر بها الإقليم بسبب صعوبة الوصول إليها وضعف التجهيزات، وهو ما يعكس حجم الخصاص المسجل في هذا المجال.

    كما أن المدينة تفتقر إلى عدد كاف من الوحدات الفندقية ودور الضيافة ومراكز الاستقبال وقاعات المؤتمرات والتظاهرات الكبرى، وهو ما يحد من قدرتها على استقطاب الوفود السياحية الوطنية والدولية، رغم الإمكانيات الكبيرة التي تتوفر عليها.

    وفي المقابل، تلعب الجالية المغربية المنحدرة من إقليم تازة والمقيمة بالخارج دوراً مهماً في التعريف بالمنطقة والترويج لها، حيث تعتبر من أكثر الجاليات ارتباطاً بمدينتها الأصلية، غير أن هذه المبادرات الفردية لا يمكن أن تعوض غياب رؤية مؤسساتية واضحة للتسويق الترابي والسياحي.

    وتبرز الحاجة اليوم إلى إطلاق استراتيجية إقليمية متكاملة تجعل من السياحة رافعة للتنمية المحلية، من خلال تثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية والتاريخية والفلاحية، وتحسين البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات الإيواء والترفيه والخدمات السياحية والنقل السياحي.

    كما أن الاستثمار في الرياضة يمكن أن يشكل مدخلاً إضافياً لجلب الزوار وتنشيط الاقتصاد المحلي، خاصة عبر إعادة الاعتبار لكرة القدم التازية ودعم التظاهرات الرياضية والثقافية القادرة على استقطاب الجماهير من مختلف جهات المملكة، بما يساهم في تنشيط الحركة التجارية والسياحية بالمدينة.

    وفي السياق نفسه، يطالب مهتمون بالشأن المحلي السيد عامل إقليم تازة بإطلاق برنامج استعجالي للنهوض بالسياحة المحلية، ووضع مخطط عملي للتسويق السياحي يعتمد على الشراكة بين مختلف المتدخلين، مع تعبئة الموارد اللازمة لإعادة الاعتبار للمدينة ومؤهلاتها.

    كما يطالبون وزارة السياحة بإدراج تازة ضمن أولويات الترويج الوطني والدولي، وإنصافها من حالة الإقصاء غير المفهومة التي تعيشها منذ سنوات، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات تجعلها قادرة على منافسة أهم الوجهات السياحية بالمملكة.

    وفي الجانب الثقافي، تبرز مسؤولية وزارة الشباب والثقافة والتواصل في دعم القليل من الأنشطة الثقافية والفنية وإحياء بعض من المهرجانات الموسمية، خاصة وأن الإقليم أنجب عدداً من المثقفين والفنانين والمبدعين الذين ساهموا في إشعاع الثقافة المغربية داخل الوطن وخارجه.

    إن تازة اليوم لا تطالب بامتيازات استثنائية، بل بحقها المشروع في التنمية والإنصاف والعدالة المجالية، فهي مدينة تملك التاريخ والطبيعة والفلاحة والثقافة والإنسان، لكنها ما تزال تنتظر إرادة حقيقية لتحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع تنموية مستدامة تخلق الثروة وتوفر فرص الشغل وتحسن جودة الحياة.

    إنّ الرهان الحقيقي لمدينة تازة ليس في ضجيج المنصات ولا في التطبيل الرقمي ولا في صناعة أوهام لا تصمد أمام الواقع، بل في إعلام تنموي جادّ يُحوّل التسويق من استعراض فارغ إلى أداة حقيقية لخدمة السياحة والاقتصاد والاستثمار، إعلام يقدّم المدينة كما هي: مؤهلات طبيعية وتاريخية وثقافية غنية، وفرصاً واعدة قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، لا خطاباً يُجمّل العجز أو يُضخّم الفراغ، فالتنمية لا تُقاس بعدد الإعجابات، بل بعدد الزوار والمستثمرين والتحولات الملموسة على الأرض، وتازة اليوم في حاجة إلى خطاب مسؤول يبيع القيمة لا الوهم، ويبني الصورة على الحقيقة لا على “البوز” المؤقت.