تعليق : احمد الزينبي
ليس من الإنصاف اختزال ما يحدث اليوم في إقليم بولمان في مجرد نجاح الدورة الثانية من مهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية، لأن المشهد يتجاوز حدود التظاهرة في حد ذاتها إلى دينامية ترابية بدأت تفرض نفسها وتستحق أن تحظى بالاهتمام والمتابعة.
فحين ينجح إقليم في تحويل منتوجاته المجالية إلى واجهة للتعريف به، ويفتح المجال أمام التعاونيات والمنتجين والفاعلين المحليين لعرض مؤهلاتهم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمهرجان ينتهي بانتهاء أيامه، وإنما بإمكانية بناء مسار تنموي قادر على خلق صورة جديدة للإقليم واستثمار ما يزخر به من ثروات طبيعية وثقافية ومجالية.
بولمان، بكل ما تختزنه من مؤهلات طبيعية ومجالية، تحتاج اليوم إلى أكثر من التعريف الموسمي بها، بل تحتاج إلى دينامية مستمرة تجعل من المؤهلات المحلية مادة حقيقية للاستثمار والتنمية والسياحة والتسويق الترابي.
ومن هنا تبرز أهمية مهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية، الذي يمكن أن يتحول من موعد احتفالي إلى منصة سنوية للتعريف بالإقليم ومنتوجاته، وربط المنتج المحلي بالأسواق، وتشجيع التعاونيات، واستقطاب الزوار والمهنيين، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد المحلي.
والأهم أن مثل هذه المبادرات تمنح المنطقة فرصة للخروج من الصورة النمطية التي تختزل بعض الأقاليم في موقعها الجغرافي أو في محدودية إمكاناتها الاقتصادية، فالمجال القروي ليس مجرد فضاء للإنتاج، بل يمكن أن يكون خزانا للمنتوجات المجالية والموارد الطبيعية والتقاليد والحرف والموروث الثقافي.
إن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى بولمان لا ينبغي أن يكون فقط في إنجاح المهرجان، وإنما في جعله رافعة لمسار تنموي متواصل، يستثمر الزخم الذي تخلقه التظاهرة ويمتد إلى باقي المجالات الاقتصادية والسياحية والثقافية بالإقليم.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدينامية التي يعرفها إقليم بولمان، والتي يواكبها السيد علال الباز، عامل إقليم بولمان، من خلال الحرص على مواكبة برنامج متكامل يروم الدفع بعجلة التنمية والانتعاش الاقتصادي والسياحي، وتثمين المؤهلات الطبيعية والمجالية والثقافية التي تزخر بها المنطقة، وتشجيع المبادرات القادرة على تحويل هذه المؤهلات إلى رافعة حقيقية للتنمية.
فالرهان لم يعد مقتصراً على تنظيم تظاهرات موسمية، وإنما يتجه نحو بناء رؤية متكاملة تجعل من بولمان وجهة سياحية وتنموية لها حضورها، وقادرة على استقطاب الزوار والاستثمارات، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص جديدة لفائدة الساكنة، وإذا استمرت هذه الدينامية بنفس النفس، وبانخراط مختلف الفاعلين، فإن بولمان مؤهلة للانتقال من مجرد إقليم يزخر بالمؤهلات إلى مجال سياحي وتنموي متكامل، تكون فيه الثروات الطبيعية والمنتوجات المجالية والثقافة المحلية أساساً لإقلاع اقتصادي حقيقي ومستدام.
وفي هذا الإطار، فإن تكريم المشاركين والفاعلين في الدورة الثانية من المهرجان لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد لحظة بروتوكولية، بل كرسالة اعتراف بأهمية العمل الجماعي في بناء التنمية المحلية، فالمجال الترابي لا يمكن أن يتقدم بجهة واحدة، وإنما بتكامل أدوار المؤسسات والسلطات والجماعات والمنتخبين والمجتمع المدني والتعاونيات والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين.
والواقع أن بولمان في حاجة اليوم إلى هذه الروح الجماعية أكثر من أي وقت مضى.
فكل نجاح محلي، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن يشكل لبنة في مشروع أكبر إذا تم البناء عليه واستثماره بشكل جيد، ومهرجان الزعفران يمكن أن يكون إحدى هذه اللبنات، خصوصاً إذا تم تطويره سنة بعد أخرى، وإغناء مضمونه، واستقطاب مهنيين ومستثمرين وزوار من خارج الإقليم، وتحويله إلى موعد وطني للتعريف بمنتوجات بولمان ومؤهلاتها.
وهنا تكمن أهمية ما تشهده بولمان من دينامية؛ فالإقليم يحتاج إلى أن يُرى ويُسمع ويُكتشف، ليس فقط خلال أيام المهرجان، وإنما طوال السنة، ويحتاج إلى أن تتحول مؤهلاته الطبيعية إلى فرص، ومنتوجاته إلى علامات تجارية، وتعاونياته إلى مشاريع اقتصادية قوية، وموروثه الثقافي إلى رافعة للسياحة والتنمية.
لقد أصبحت التظاهرات الترابية اليوم جزءاً من أدوات التسويق المجالي، والمدن والأقاليم تتنافس على جذب الزوار والاستثمارات من خلال إبراز خصوصياتها. وبولمان ليست أقل غنى من غيرها، لكنها تحتاج إلى إرادة مستمرة في التعريف بنفسها وتسويق مؤهلاتها بطريقة احترافية.
لذلك، فإن نجاح الدورة الثانية لمهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية يجب ألا يكون نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة، يصبح فيها المهرجان مدخلاً إلى دينامية أوسع لإنعاش بولمان والتعريف بمؤهلاتها وخلق فرص حقيقية لسكانها.
فإذا تحقق ذلك، فسيكون المهرجان أكثر من تظاهرة موسمية؛ سيكون عنواناً لدينامية إقليم يريد أن يكتب لنفسه مكاناً أقوى على خريطة التنمية والسياحة والاقتصاد المجالي بالمغرب.
وبولمان، بما تختزنه من ثروات طبيعية وموروث ثقافي ومنتوجات مجالية، تستحق أن تأخذ هذه الفرصة كاملة فالمنطقة لا ينقصها ما تقدمه، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة متواصلة وحسن تقديم وتسويق، وتحويل هذه المؤهلات إلى قيمة اقتصادية وتنموية تعود بالنفع على الساكنة.
المهرجان قد ينتهي في موعده، لكن دينامية بولمان يجب ألا تنتهي بانتهاء المهرجان؛ بل ينبغي أن تكون هذه التظاهرة بداية لمسار تنموي وسياحي أكثر طموحاً، يضع الإقليم في المكانة التي يستحقها ويمنح مؤهلاته فرصة حقيقية لتصبح محركاً للاقتصاد المحلي والتنمية المستدامة.










إرسال تعليق