الانتخابات التشريعية القادمة بتازة حافظ بن كمرة ينسحب ويفتح باب الأسئلة الكبرى حول مستقبل الإقليم

  • بتاريخ : أغسطس 20, 2026 - 12:28 ص
  • الزيارات : 60
  • متابعة : احمد الزينبي

    لم يكن قرار المستشار الجماعي بجماعة تازة، حافظ بن كمرة، العدول عن الترشح للانتخابات التشريعية المرتقبة مجرد انسحاب من سباق انتخابي، بقدر ما حمل في طياته رسائل سياسية قوية، واختار صاحبها أن يوجهها إلى الرأي العام بلغة هادئة في أسلوبها، لكنها حادة في مضامينها.

    فبعد مدة من التفكير والتشاور، أعلن بن حفيظ كمرة قراره النهائي بعدم خوض الاستحقاق التشريعي، مؤكدا أن قراره جاء نتيجة وقفة تأمل في واقع الشأن العام بالإقليم، وفي مشهد سياسي وانتخابي قال إنه لم يعد يبعث على التفاؤل، في ظل استمرار تكرار الوجوه نفسها وغياب البدائل القادرة على ضخ دماء جديدة في المؤسسات التمثيلية.

    ولعل أقوى ما حمله البيان هو وصفه للمقاعد النيابية بالإقليم بأنها أصبحت أشبه بـ “إرث يتم تداوله بين أسماء محدودة”، وهي عبارة تختزل، في بعدها السياسي، شعورا متناميا لدى فئات من الرأي العام التازي بأن المشهد الانتخابي لم يعد قادرا بالقدر الكافي على إنتاج تجديد حقيقي للنخب.

    المفارقة اللافتة في موقف حافظ بن كمرة أنه، وهو ما يزال في مقتبل تجربته السياسية، اختار الانسحاب من السباق الانتخابي، داعيا في الوقت نفسه الشباب والكفاءات إلى تحمل مسؤوليتهم والتقدم إلى الواجهة.

    وهنا لا يبدو الأمر مجرد تراجع عن الترشح، وإنما رسالة سياسية مفادها أن دخول الانتخابات لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، وأن المشاركة السياسية تفقد جزءا من معناها عندما تصبح مرتبطة فقط بالحصول على مقعد أو موقع.

    حفيظ بن كمرة يقول، من خلال موقفه، إن السياسة بالنسبة إليه ليست بحثا عن منصب، وإنما وسيلة لخدمة الإقليم والدفاع عن مصالحه، ولذلك اختار أن يقول “كفى لمنطق التكرار”، وأن يرفض أن يكون مجرد رقم إضافي في مشهد يرى أنه يعاني من الجمود.

    وما يثيره البيان يتجاوز شخص صاحبه أو قرار ترشحه من عدمه، ليصل إلى أزمة أوسع تتعلق بعلاقة المواطن التازي بالسياسة والانتخابات.

    فتكرار الوجوه السياسية، في حد ذاته، ليس مشكلة إذا كان مصحوبا بالنجاح والمحاسبة والنتائج، لكن المشكلة تبدأ عندما تتكرر الوجوه والوعود والبرامج، بينما يظل الواقع نفسه أو يتغير ببطء لا يرقى إلى حجم انتظارات المواطنين.

    ومن هنا يصبح السؤال مشروعا: هل تحتاج تازة فقط إلى تغيير الوجوه، أم إلى تغيير طريقة ممارسة السياسة نفسها؟

    فالإقليم يحتاج إلى نخب تمتلك رؤية واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، وقدرة على الدفاع عن مصالحه، وليس فقط إلى مرشحين يظهرون بقوة مع اقتراب موعد الانتخابات.

    الحديث عن الانتخابات في تازة، كما في العديد من المناطق، يجر معه أسئلة صعبة حول تأثير المال والعلاقات العائلية وشبكات المصالح في تشكيل الخريطة الانتخابية.

    ومن الضروري هنا عدم إطلاق اتهامات ضد أشخاص أو جهات بعينها دون أدلة، لكن من المشروع سياسيا ومجتمعيا طرح سؤال الثقة: إلى أي حد يشعر المواطن بأن صوته قادر فعلا على صناعة التغيير؟

    فعندما يفقد المواطن الثقة في جدوى المشاركة، يصبح العزوف الانتخابي نتيجة طبيعية، وتتحول الانتخابات من مناسبة للتنافس حول البرامج والمشاريع إلى مجرد صراع حول المواقع.

    وهذا بالضبط ما يجعل دعوة بن كمرة إلى التجديد ذات دلالة، لأنها تضع مسألة الثقة في النخب في قلب النقاش.

    اما المشكلة الحقيقية التي تواجه الإقليم ليست فقط من سيحصل على المقعد البرلماني، وإنما ماذا سيفعل هذا المقعد من أجل تازة.

    تازة تحتاج إلى مشروع تنموي واضح، وإلى الدفاع عن الاستثمار، وفرص الشغل، والبنيات التحتية، ودعم الشباب، وتحريك الاقتصاد المحلي، واستعادة ثقة المستثمرين والكفاءات في مستقبل الإقليم.

    فالسياسي الذي ينجح في الانتخابات ولا يمتلك استراتيجية واضحة للعمل لن يستطيع، مهما كانت نواياه، أن يحدث التحول المنشود.

    ولهذا فإن تازة تحتاج إلى نخبة سياسية تشتغل طوال الولاية، لا نخبة تظهر فقط خلال الموسم الانتخابي.

    ومن بين القضايا التي تستحق النقاش أيضا قضية الكفاءات التازية التي غادرت الإقليم بحثا عن فرص أفضل.

    هناك أبناء تازة في مختلف المدن المغربية، وهناك آخرون في أوروبا وأمريكا وكندا ومناطق مختلفة من العالم، من أطباء ومهندسين وأساتذة ورجال أعمال وأطر وكفاءات في مجالات متعددة.

    هؤلاء يمثلون ثروة بشرية حقيقية يمكن أن تساهم في إعادة بناء الإقليم، إذا توفرت الظروف المناسبة لاستقطابهم وتشجيعهم على الاستثمار والمساهمة.

    فتازة لا تحتاج فقط إلى البحث عن مستثمرين من خارجها، بل تحتاج أيضا إلى استعادة ثقة أبنائها الذين غادروها.

    والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا هو: لماذا يغادر أبناء تازة حين يستطيعون النجاح خارجها، ولا يجدون دائما البيئة نفسها لتحقيق النجاح داخلها؟

    ربما يكون من الخطأ قراءة قرار حافظ بن كمرة باعتباره اعتزالا نهائيا للعمل السياسي.

    فالرجل أعلن بوضوح أنه سيظل متابعا للشأن العام، وناقدا بناء، ومساندا لكل مبادرة جادة تضع تنمية تازة فوق كل اعتبار وبالتالي فإن ما حدث أقرب إلى انسحاب من سباق انتخابي، وليس انسحابا من الشأن العام.

    بل إن موقع المتابع والناقد قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر تأثيرا من موقع المنتخب، خصوصا عندما يكون الهدف هو مراقبة الأداء والدفاع عن المصلحة العامة دون حسابات مرتبطة بمقعد أو منصب.

    في النهاية، قد يختلف التازيون حول موقف حافظ بن كمرة، وقد يتفقون معه أو يختلفون حول تشخيصه للمشهد السياسي، لكن من الصعب إنكار أن بيانه فتح نقاشا يحتاجه الإقليم ،نقاش حول تجديد النخب، نقاش حول علاقة المال بالانتخابات، ونقاش حول تراجع ثقة المواطن، ونقاش حول غياب البدائل.

    ونقاش أكبر حول مستقبل تازة ومن يملك القدرة على إخراجها من دائرة الانتظار.

    فالمطلوب اليوم ليس فقط أن تتغير الأسماء، وإنما أن تتغير العقلية السياسية، وطريقة العمل، وأسلوب التواصل مع المواطن، ومنطق تدبير الانتخابات.

    وربما لهذا السبب اختار حافظ بن كمرة أن ينسحب من السباق، ليترك رسالة مفتوحة أمام الشباب والكفاءات:

    تازة ليست مقعدا انتخابيا، وليست موسما انتخابيا، وليست ملكا لأحد، تازة مسؤولية جماعية، ومن أراد تمثيلها فعليه أولا أن يقدم مشروعا يستحق ثقة أبنائها.